إسماعيل بن القاسم القالي
696
الأمالي ( مع كتابي ذيل الأمالي والنوادر ويليهم كتاب التنبيه مع أوهام أبي علي في أماليه لعبد الله الأندلسي )
البلدان غير واحدة ، فأحببت أن يبقى لي منكم في كل بلد ذكر ، فقالوا فيه شعرا يمتدحونه ويذكرون فضله ، فقال لهم حاتم : إنما أردت أن أحسن إليكم فصار لكم عليّ الفضل ، وعليّ أن أضرب عراقيب إبلي أو تقوموا إليها فتقتسموها ، علوا فأصاب الرجل منهم تسعة وثلاثين بعيرا ، ومضوا على سفرهم إلى النعمان ، وسمع أبوه بما فعل فأتاه ، فقال : أين الإبل ؟ فقال : يا أبت ، طوّقتك طوق الحمامة مجد الدهر وكرما ، لا يزال رجل يحمل لنا بيت شعر أبدا بإبلك ، فقال أبوه : أبإبلي ؟ قال : نعم ، قال : واللّه لا أسكن معك أبدا ، فخرج أبوه بأهله وترك حاتما ، فقال في ذلك حاتم يذكر تحوّل أبيه عنه : [ الطويل ] وإنّي لعفّ الفقر مشترك الغنى * وتارك شكل لا يوافقه شكلي وشكلي شكل لا يقوم بمثله * من الناس إلّا كلّ ذي ثقة مثلي من جملة أبيات . [ 344 ] [ خبر امرأة حاتم ، وطلاق الجاهلية ، وإفساد الزوجة على زوجها ] : ولما تزوّج حاتم ماويّة وكانت من أحسن النساء لبثت عنده زمانا . ثم إن ابن عم لحاتم يقال له مالك قال لماويّة : ما تصنعين بحاتم ؟ فو اللّه لئن وجد ليتلفنّ ، ولئن لم يجد ليتكلّفنّ ، ولئن مات ليتركنّ ولدك عيالا على قومه . فقالت : صدقت ، إنّه لكذلك . وكانت النساء أو بعضهنّ يطلّقن الرجال في الجاهلية ، وكان طلاقهنّ أنهنّ يحوّلن أبواب بيوتهن ، إن كان الباب إلى المشرق جعلنه إلى المغرب ، وإن كان الباب قبل اليمن جعلنه قبل الشأم ، فإذا رأى الرجل ذلك عرف أن امرأته طلقته ، وقال ابن عمه لها : فأنا أنصحك وأنا خير لك منه وأكثر مالا وأنا أمسك عليك وعلى ولدك ، فلم يزل بها حتى طلّقت حاتما ، فأتاها وقد حوّلت الخباء ، فقال لابنه : ما ترى أمك ما عدا عليها ؟ فقال : لا أدري ، فهبط به بطن واد . وجاء قوم فنزلوا على باب الخباء كما كانوا ينزلون فتوافى خمسون رجلا فضاقت بهم ماويّة ذرعا ، فقالت لجاريتها : اذهبي إلى مالك فقولي : إن أضيافا لحاتم نزلوا بنا وهم خمسون رجلا ، فأرسل إلينا بناب ننحرها لهم وبوطب لبن نسقيهم ، وقالت لجاريتها : انظري إلى جبينه وفمه ، فإن سابقك بالمعروف فاقبلي منه ، وإن ضرب بلحييه على زوره وأدخل يده في رأسه فارجعي ودعيه ، فلما أتته وجدته متوسّدا وطبا من لبن ، فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت : إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه ، فضرب لحيته على زوره وأدخل يده في رأسه وقال لها : أقرئي عليها السلام وقولي لها : هذا الذي نهيتك عنه وأمرتك أن تطلّقي حاتما من أجله ، فما عندي من كبيرة قد تركت العمل ، وما كنت لأنحر صغيرة لشحم كلاها ، وما عندي من لبن يكفي أضياف حاتم ، فرجعت الجارية وأعلمتها بمقالته ، فقالت لها : ويلك ! ائتي حاتما فقولي له : إن أضايفك نزلوا بنا الليلة ، فأرسل إلينا بناب ننحرها لهم ولبن نسقيهم ، فقال حاتم : نعم ، وأبي وأنياب ، وقام إلى الإبل فأطلق عقلها ، وصاح بها حتى أتى الخباء وضرب عراقيبها ، فطفقت ماويّة تصيح : هذا الذي طلقتك فيه تترك ولدك ليس لهم شيء .